عادل عبد الرحمن البدري

94

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

منسى يتلفع بجلباب عتيق يستر بدنه ، ويسدّ رمقه بقرصين من الخبز الخالي من الإدام ، حتّى اللبن الذي كان مبذولًا في أرض العرب ، كالهواء والماء لم يكن في العموم متداولًا ومأنوساً في خوان ومائدة عليّ ( ع ) ، إلّا ما نقله سويد بن غفلة في قصّة تبدو غير قابلة للتصديق في حياة حاكم ورئيس دولة عظمى آنذاك ، يقول سويد بن غفلة : دخلت على عليّ ابن أبي طالب ( ع ) فوجدته جالساً وبين يديه إناء فيه لبن ، أجد منه ريح حموضته وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه ، وهو يكسره بيده ويطرحه فيه ، فقال : ادن فأصب من طعامنا ، فقلت : إنّي صائم ، فقال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من منعه الصيام على طعام يشتهيه كان حقّاً على الله أن يطعمه من طعام الجنّة ويسقيه من شرابها ، قال سويد : قلت لفضّة ، وهي قريبة منه قائمة : ويحكِ يافضّة ، أما تتّقين الله في هذا الشيخ ! يُنخل هذا الطعام من النخالة التي فيه ، قالت : قد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعاماً ، قال ( ع ) : ما قلتَ لها ؟ فأخبرته ، فقال : بأبي وأمّي من لم ينخل له طعام ، ولم يشبع من خبز البرّ « 1 » ثلاثة أيّام حتّى قبضه الله . قال سويد : وكان ( ع ) يجعل جريش الشعير في وعاء ويختم عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّي أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئاً من زيت أو سمن « 2 » . هكذا كانت حياة وسيرة رئيس دولة عظمى هزّت أركان العالم ، لم يكن هذا الحاكم يستسيغ أو يتجاوز سيرة أستاذه النبيّ الكريم ( ص ) الذي حدّثت عنه عائشة بقولها : كانت تأتي علينا أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله ( ص ) نار ولا مصباح ، فقيل لها : فبم كنتم تعيشون ؟ فقالت : بالأسودين : التمر والماء « 3 » . وكأنّه ( ص ) كان يعيش في قبر مظلم اختاره لنفسه وسط المدينة . ووصف الباقر ( ع ) معيشة النبي ( ص ) بالقول : كان

--> ( 1 ) البرّة الواحدة من الحنطة . والبرّ أفصح من قولهم : القمح والحنطة . ترتيب جمهرة اللغة 119 : 1 ( برر ) . ( 2 ) إرشاد القلوب للديلمي ص 215 ، بحار الأنوار 322 : 66 . ( 3 ) إحياء علوم الدين للغزالي 231 : 4 .